يؤكد الواقع اليمني بما راكمه من أزمات وانقسامات وفشل سياسي أن البلاد لم تعد تحتمل إعادة تدوير النخب والأحزاب ذاتها، وبالتالي لا بد من التفكير بوعي سياسي جديد من خلال صيغ تنظيمية مختلفة تعيد الاعتبار للسياسة بوصفها وسيلة لإدارة الدولة وخدمة المجتمع لا عصابات للصراع على السلطة وإنتاج شعارات الهوية والانقسام.
المطلوب ليس مجرد أحزاب بأسماء جديدة وإنما عقل سياسي جديد.. أحزاب تتأسس على البرامج لا الأشخاص.. على الكفاءة لا الولاءات وعلى المؤسسات لا الزعامات، وعلى المصلحة العامة لا المصالح الضيقة.
_ البرنامج أولًا: لا معنى لحزب لا يمتلك رؤية اقتصادية وتنموية واضحة وبرنامجًا قابلًا للقياس والمساءلة.. زمن الشعارات الفضفاضة يجب أن ينتهي ويبدأ زمن السؤال: ماذا نفعل.. ؟ وكيف.. ؟ وبأي موارد؟ ومتى تظهر النتائج؟
_اللامركزية الإدارية: لا يمكن بناء دولة مستقرة من مركز يقرر كل شيء، فالمجتمعات المحلية أدرى باحتياجاتها ومن حقها أن تكون شريكة في صياغة أولوياتها التنموية وإدارة مواردها ومراقبة أداء مؤسساتها.
_ الديمقراطية الداخلية: لا يمكن لحزب يدعي بناء دولة مدنية ديمقراطية أن يكون من الداخل نسخة استبدادية مصغرة. التداول، والشفافية، وتكافؤ الفرص، واحترام الاختلاف.. يجب أن تبدأ من داخل الحزب قبل أن تصبح شعارات للدولة.
….
دعونا هنا نتخيل أسماء وصيغ سياسية جديدة.. ليس باعتبارها مشاريع جاهزة إنما كأفكار قابلة للنقاش.. محاولة لفتح نافذة في الجدار السياسي المغلق والفولاذي، مثلاً .. مثلاً:
_حزب الحداثة والتنمية : مشروع سياسي تقنوقراطي يجعل تحديث الدولة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية جوهر برنامجه ويقيس نجاحه بما ينجزه على الأرض لا بما يرفعه من شعارات.
_ حزب المستقبل: تنظيم يتجاوز أسر الماضي ويخاطب الأجيال الجديدة بلغة مختلفة، ويضع بناء المستقبل في مواجهة إرث طويل من الصراعات السياسية.
_ تيار النهضة الوطنية: رؤية تقوم على أن نهضة اليمن تبدأ من الإنسان.. لكنها لا تكتمل إلا بإعمار الأرض وبناء الاقتصاد وتطوير مؤسسات الدولة.
_حزب العدالة والكفاءة: يضع الجدارة والكفاءة في مقدمة معايير إدارة الدولة.. ويواجه ثقافة المحسوبية والولاء التي أضعفت مؤسساتها لعقود.
_ حزب الإرادة المستقلة: يضع القرار الوطني المستقل في صدارة مشروعه، ويرفض أن يكون اليمن ساحة مفتوحة للوصاية أو الارتهان أو توظيف الداخل في صراعات الخارج.
….
..
خلاصة القول:
كثيرة هي العناوين التي تتردد في أذهاننا المتطلعة، وكلها تستفز خيالنا اليمني بالسؤال الأهم: هل نستطيع فعلًا أن نتخيل سياسة يمنية جديدة، أم أننا محكومون إلى الأبد بإعادة إنتاج تخلف السياسة القديمة بأسماء ووجوه مختلفة؟
بدورنا في منصة بيس هورايزونس نرفع هذه اللافتة، لافتين إلى أن استمراء البقاء في فخ المفاضلة بين وجهين للخراب تحت غطاء “أهون الشرين”.. تفكير استقطابي يعطل طاقة المجتمع عن التفكير بحرية، ويشكل كارثة توازي كارثة الحرب!
فحين تفشل السياسة وتتغذى الصراعات على استثمار الخراب، لا جدوى سوى التمسك بالكلمة الحرة، وحماية الذاكرة الجمعية، وإعلاء شأن المبادرات المحلية؛ فهذه هي الأدوات الأقل تكلفة والأعمق أثرًا لتفكيك بنى العنف. ويظل الرهان الأبقى على إنتاج المعنى بوعي هادئ كمقاومة أسمى وخلاقة.
اليمن اليوم يحتاج حتماً إلى إعادة بناء المجال السياسي قبل أي تسوية قادمة لإنهاء الحرب: أحزابًا أكثر نضجًا، نخباً أكثر كفاءة، مؤسسات أكثر استقلالاً، ومواطنين أكثر حضورًا في صنع القرار.
ولعل السؤال الذي يمكن أن نبدأ منه لتحويل الأفكار إلى مشاريع سياسية حقيقية هو: أين يجد كل منا نفسه؟ أي من هذه التنظيمات يعبر ولو جزئيًا عن رؤيتك لليمن الذي نريد؟
لماذا لا نحاول أن نجيب لنحلم؟ فالتغيير الحقيقي يبدأ دائمًا من فكرة.. ثم من نقاش جاد حولها.
صدقوني، الأفكار الحرة وحدها هي القادرة على كسر رتابة الواقع وصياغة غد يليق بإنساننا المكلوم.




